رجلٌ في العام 2040


رجلٌ في العام 2040 لم يسمع منذ أمدٍ بعيد بما سمّي طويلاً بـ"معرض الكتاب". هو لا يشعر بالعزلة رغم أنه وحيد، ولا يشعر بالضجر رغم أنه لم يغادر المنزل. لقد طوى معرضاً كاملاً من الكتب في صفحة واحدة.  بقليل من الدوار والتعب ، وهو المربوط عنكبوتياً بمؤلفين يكتبون عن شعورهم بعد زيارة المرّيخ الأولى، تضاءل العالم، وقد كبُر، إلى موقعٍ يغنيه ويؤمّن له قوته من الثقافة باستعمال إصبع واحدة. ليس ثمة موعد سنوي للمناسبة فالمعرض مفتوح على مدار السنة ويقدّم الاصدارات بشكل لحظي، أما التواقيع فمناسبات إلكترونية تنتفي تدريجياً لصالح مناسبات أخرى كقراءة قراءة في كتاب معيّن، في حين أن إحصاءات الكتب الأكثر مبيعاً أو قراءةً تتمتع بدقّة الحاسوب بدلاً من تنوّع العلاقات العامة.

كان يحتاج ساعات عديدة ليصل من مكان إقامته إلى قاعة المعارض، وساعة إضافية ليجد مكاناً يركن فيه سيارته بعيداً عن موظفي شركات يرابطون على ثغور المداخل المؤدية إلى المعرض لبيع رفاهية ركن السيارات وهم ينصبون حواجز للقراء قبل وصولهم، فيفكر الروّاد المياومون مئة صفحة قبل النزول لشراء كتاب.

بجهاز لا يتثاقل وزنه مع وفرة الكتب التي يحملها يتذكر وزن الأكياس التي أثقلت كاهله ذات ليلة تسوّق كاملة. الكتب كلها متوفرة ومتوازية في جدول مرتّب أبجدياً يجمع المتنبي مع "أبي الينبغي" وهو أحد شعراء العصر العباسي المغمورين والمعروف بإسم الشاعر الظريف.

يتذكر كم من الناس انصرفوا عن التواجد عندما لم يعد التواصل مع الكتاب مرتبطاً بشكل أساسي مع اجتماعيات الكاتب. يومئذٍ تنطق عنهم ألسنتهم وصفحاتهم ولا شفاعة لعربي أو أعجميٍّ إلا بالإبداع.

وقد لا يتوقف عن الضحك عندما تصبح الترجمة الذكية الإلكترونية السريعة متوفرة  لـكاتب أصدر كتابه الأوّل عام 2025 كما كانت متوفرة  لسعدي يوسف أو أدونيس وغيرهم. ثم يتأسّف على الأسماء التي ظلّت تعتقد أنّ صدور ترجمة لعمل أو مختارات أو رواية رديفٌ للعالمية.

هذا ليس واقع الحال طبعاً، ولكنّه مستقبلٌ ليس بعيداً عنّا وقد بدأت أجهزة الإستشعار ومراصد الناشرين باستشرافه منذ مدّة.

ربما يبقى النادي الثقافي العربي منظماً للموقع الإلكتروني المتخيّل وقد تشرف عليه أيضاً الروائية "نرمين الخنسا" ولكن علينا أن نعترف أن مفهوم النشر بدأ يتشكّل من جديد وقد يكون لزاماً علينا أن نتكيّف مع وقائع جديدة يفهمها أبناؤنا وطلابنا ولا نصدقهم كما تعاطى جدّي رحمه الله مع التلفاز من أربعة عقود من الزمن. لقد أصبحنا عجائز في سن الثلاثين.

وفي حين تكثر الأحاديث حول مشاكل القراءة في العالم العربي وتدنّي معدلات الدخل المعرفي لدى أبنائه مقارنة بالغرب، والخشية الكبرى على مستقبلنا إزاء ملاحظة الأرقام الخجولة للإصدارات المفيدة، أتساءل ما إذا كان توفر الكتب إلكترونياً للجميع سيقلّم من حدة المشكلة؟ أكاد أجزم أن كل محاولات التشجيع على القراءة من قبل الجمعيات والمساهمات الفردية هي غمزٌ في العتم أو صرخةٌ في الفراغ باعتبار أنّ مناهج الدراسة والمدرسين والمدارس لم يلحظوا علاجاً استراتيجياً لهذه المصيبة، إذ ما زال يعتبر كثيرٌ من طلابنا أن من يقرأ منهم محط تعجّب وهو مختلف وغريب. ودليل على ذلك لجوء بعض الدور إلى استخدام آليات ترويجية لتسويق الكتاب، كأن تدخل الشاري لكتابين في سحب قرعة يمنح الفائزين جوائز قيّمة كما فعلت شركة المطبوعات للتوزيع والنشر خلال هذه الدورة، علماً أنّ الأخيرة تصدر كتباً عالميةً قيّمة قد لا تحتاج فعلاً إلى ترويج في بلدان غير عربيّة.

على أي حال، ينبغي أن نعترف أن معرض بيروت ما يزال المكان الأكثر حرارة في العالم العربي، إذ يكفي أن تزور معرضاً آخر لتعرف خصوصية بيروت التي تسجل مع كل مناسبة ثقافية كهذه انتصاراً لصالح الحياة التي يتربص بها محتلّو الجنة من كل حدبٍ وصوب.

يكفي الكتاب أنه يتفوق على المستقبل بحاستيّ اللمس والشم، إذ كيف لمكتبة إلكترونية كاملة أن تمارس العناق ما دامت غير ملموسة تماماً، وبهذا يستمر معرض بيروت الدولي للكتاب وغيره من المعارض بعجلتين لا ثالثة لهما: الحب والعطر. من هنا نجد أنه فقط في خلال فترة المعرض، أسماءً عريضةً من الكتّاب الذين رسموا ملامح مجتمعاتهم لعقود من الزمن على طاولة بلاستيكية بيضاء، في حين أنه يستحيل جمعهم على طاولات المؤتمرات والأماسي، كأن يصبح المعرض منطقة حرّة للمسافرين جهة أهوائهم، يتبادلون الثقافة من غير أي ضريبة على القيمة المضافة.

عوداً على بدء، يمتعني أن أرى كيف أن الزمن يتنصل من نضالاتنا، وكيف أن المستقبل يسكن بيننا ويختار خلّانه ويترك لنا المحاولات والظنون كما تأخذ الريح ما تشاء من ورق الغابة إلى جهةٍ في الرحيل... من الآن وحتى العام 2040، وحدهم الشعراء الذين لا نرغب بقراءتهم اليوم، سيسكنون مكتبات أبنائنا.



شاعر لبناني, وأستاذ جامعي متخصص بالفيزياء والتربية، من مواليد 29 شباط , يعدُّ من ابرز الوجوه الشعريّة الشابّة في لبنان و العالم العربي.

إبتدأ مشواره الشعري في برنامج المميزون الذي عرضته المؤسسة اللبنانيّة للإرسال عام 2003 حيث حصد الميداليّة الذّهبيّة عن فئة الشعر المرتَجَل، و تفوّق على  شعراء كبار من لبنان و العالم العربي.
 

صقل منصور موهبته الشعريّة الفذّة و أفقه الإبداعي  عبر دراسته وتدريسه الادب العربي وتحضيره للرسالة دكتورة في الفيزياء الإشعاعية.
 

و نال منصور الجائزة الاولى في "مباراة الإبداع" لطلّاب الجامعات العربيّة التي اقيمت في العين – الإمارات العربيّة عام 2004.
 

لعلّ أبرز المحطّات التي كرّست اسم الشاعر مهدي منصور عربيّاً و جعلته رقماً صعباً بين الشعراء العرب كانت مشاركته في برنامج أمير الشعراء 2008 الذي تنتجه و تبثّه قناة ابوظبي الفضائيّة حيث نال الشاعر جائزة لجنة التحكيم و أصبح معروفاً منذ ذلك الحين بـ"أمير الشعراء". [+]